سيرة ذاتية للبيع

سيرة ذاتية للبيع


لن نعلم أخرجنا عن خطة الحياة المفروضة أو أننا لم نلعب أوراقنا الصحيحة إلّا عند رؤية النتيجة أو رؤية بصيص النهاية.

في طريق الحياة هناك إشارات من ينتبه لها يستطيع الوصول إلى بر الأمان بأقل التضحيات وبرؤية تكاد تنعدم فيها الضبابية. وسؤال «هل أنا في المكان الصحيح؟» يجوب بالي أحيانًا كثيرة حتى لو كنت في قمة نجاحي. أمّا إشارات حياتي لم تكن واضحة واختياري الأخير كان عاطفيًا بحتًا.


أتذكر أنّي كنت أحب التصوير ليس الفعل نفسه بل أن أُصوّر وأن أرى بعد ذلك الفيلم البنّي تحت أشعة الشمس بكل متعة قبل يذهب به أبي إلى الاستديو. وبحكم بُعد الاستديو وأخذه للكثير من الوقت فقد كانت تتراكم تلك الأفلام دون تحميض وتتراكم صناعتنا أنا وأمي وأبي للذكريات. لا أعلم أن كنت بدأت التصوير حينها فلم أكن أستطيع الإمساك بالكاميرا والمشي في آن واحد. ملّت أمي توثيق لحظاتنا بعد أن كثر إخوتي فأصبح تصوير الكاميرا مرهق ولا يسوى فالجوال يكفي ويسدّ.


لم أكن أشاهد المسلسلات والأفلام في بيتنا لأن والديّ لا يفضلونها فكنت إن لم أشاهد أفلام الكرتون فأنا أشاهد نشرات الأخبار، وقد تحولت إشارات الحياة النابعة من ثقب الكاميرا الصغير، إلى حفرة السياسة الكبيرة فأنا أريد أن أكون صانع قرار تؤثر كلماته وأفكاره وتُبثّ أفعاله في نشرة الأخبار. حتى أني بكيت وفاة الملك فهد أكثر من البكاء على جدي «رحمهم الله»، وكان هذا آخر عهدي بالسياسة فقد قُطعت السبل إليها لما لها من تأثير سلبي علي. وأصبح من الأفضل أن أشاهد المسلسلات الدرامية مثل باقي الأطفال.


وهنا نعود للكاميرات فبدونها لن نستطيع مشاهدة ما نشاهد الآن، كانت تجذبني تلك الزوايا في الالتقاطات وكيف أن لكل زاوية شعور مغاير، وأن المخرج يستطيع أن يحوّر في فكرة المتلقي، فبدأت أتتبع الإخراج وأردت أن أكون مخرجًا، فحينها سيكون بإمكاني التقاط اللحظات بالصوت والصورة ولن أحتاج الى تحميضها.

 بدأت الإخراج في المنزل مع اخوتي فكنّا نغلق الانوار ونحضر كشاف لتسليط الضوء على مشهدنا الدرامي، «مشهد بكاء أختي» فقد كانت هي الوحيدة القادرة على استحضار دموعها عند قول «ثري، تو، ون، أكشن». لم يستمر اخراجي طويلًا فقد انتهت افكارنا الدرامية بعد مشهدين بكاء.


تغيرت نظرتي للحياة في الصيف، بعد عملية قلب مفتوح لجدتي، كنت أسمع صوت صمامها الجديد وهو يتكّ كعقارب الساعة، قلت لها: "ياجده لو خرب مين يصلحه؟" قالت: "ضمانه ١٠ سنين" وضحكت، فأخذت على عاتقي مهمة تصليحه وقررت أني سأصبح جراحًا لكي أصلح صمامها لو خرب.

 لعلّ نفسي، والديّ، جدتي، المقربون منّي دعموا فكرتي هذه بسبب منطقيتها ومكانتها الاجتماعية. فلا أحد يريد أن يكون أبنه موديل، سياسي، مصور، مخرج. بل يريدونه أن يكونا طبيبًا، جراحًا إن أمكن.


تجاهلت كل إشارات الطريق بعد قراري هذا ظنًا بحتمية النهاية، ولكن لم أتوقف عن التصوير والإخراج عندما تسنح لي الفرصة. فقد كنت أصور اخوتي بين الحين والآخر دون اهداف درامية، في المدرسة أخرجت مسرحية، صورت وأخرجت فلم قصير توعوي. وفزت بمسابقة تصوير على مستوى المنطقة لصورة أخذتها في إشارة تحت المطر.


كنت ولا زلت أرى الصور في كل مكان بعيني دون كاميرا، وأقول لو أن كاميراتي معي لالتقطت المشهد من هذه الزاوية. الاختلاف الوحيد من الزمن الماضي أنّي لم أعد أفضل أن أكون أمام الكاميرا بل أن أكون ممسكًا بها. أعلم أن المخرج الصغير داخلي لم يمت فأثناء متابعتي للأفلام والمسلسلات لا أزال أطرب على لقطات التصوير، ولا زلت أصور حتى الآن بكاميرا أم بدونها. فأنا لا أصور فقط لكي أحتفظ اللحظة، أنا أصور لأني أرى التصوير لغة تعبير.


في النهاية لا أودّ أن يكبر الجراح على حساب المصور، لا أريد أن أبيع سيرتي الذاتية كمخرج ولكن أعلم أني لا أستطيع الاستفادة منها. فلا أحد يريد أن تُصوّر جراحه وتُثبّت للأبد. ولكن أعلم أني سأحافظ على المصور فيني حتى لو جُرح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النظام

الموت